"مع الأمل".. حكاية نساءٍ أزلن علامة الاستفهام التي تدور حول المرض النفسي و حولنها إلى نقطة حوار

حملات توعوية بطابع إبداعي، تقوم بها هذه المؤسسة لإزالة الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض النفسي
شاركي هذا الموضوع
شاركي هذا الموضوع
"مع الأمل".. حكاية نساءٍ أزلن علامة الاستفهام التي تدور حول المرض النفسي و حولنها إلى نقطة حوار

"أشعر بالاكتئاب".. إن لم نقلها، فنحن نفكر بها عند شعورنا بعدم الرضا لحدوث أمر عابر، أو لربما لامتعاضنا حين لا نحصل على ما نريد. في الواقع، هناك من "يشعر بالاكتئاب" فعلاً حولنا، وعلى الأرجح من يعاني منه بصمت.

800,000 شخص يضع حداً لحياته بالانتحار سنوياً، و وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فقد سُجل الانتحار كثاني أهم سبب للوفيات ضمن من تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عاماً حول العالم، في سنة 2016. الوصمة الاجتماعية الملازمة لمفهوم المرض النفسي و العقلي نابعة في معظم الحالات عن الجهل، و هو الأمر الذي تسعى "مع الأمل" لمحاربته بتثقيف الأفراد في بادئ الأمر عن المفاهيم الخاطئة و المستخدمة بشكل مفرط، و تلك التي نقلل من أهمية معناها. وصف "هذا مجنون" أو استخدام "أنا مكتئب" في غير مكانها، تزيد من تعقيد الأمور.

ثلاث سنوات مضت، منذ أن قرأت فاطمة الموسى كتاباً تضمّن قصة امرأةٍ في مواجهة المجتمع، عقب إصابة ابنها بمرض نفسي. فضول فاطمة و رغبتها بمعرفة أكثر عن المرض النفسي و ما يحيط به من غموض في مجتمعاتنا، جعلاها تبحث عن مراكز مختصة بالرعاية النفسية لتساهم في دعمها، فوجدت خلال بحثها مستشفى الأمل في دبي و تطوعت للعمل لديهم، لتكون هذه بداية فكرة "مع الأمل"، المبادرة التي تحولت إلى مؤسسة غير ربحية، تسعى لإزالة الوصمة الاجتماعية للمرض النفسي.

اليوم، عدد أعضائها 11 عضواً رسمياً، قابلنا منهم أحمد الزرعوني و مريم سهروردي، الذين بدؤوا بالتطوع مع المجموعة، من ثم أصبحت هذه رسالتهم التي يحملونها معهم أينما ذهبوا.

يقول أحمد أن أكثر ما يميز هذه المبادرة هو التنوع القائم خلفها، فالمتطوعين من مختلف الجنسيات، الخلفيات الثقافية و مجال العمل، ما يجمعهم هو اهتمامهم بالصحة النفسية و أملهم بردم الفجوة بين المجتمع و المصابين بالمرض النفسي. و تشرح مريم: "ما بدأنا بملاحظته عند اختلاطنا بالمرضى في مستشفى الأمل هو المواهب التي يمتلكونها، و حاجتهم للدعم من مجتمعهم لا أكثر." ثم يتابع أحمد: "تركيزنا هو التشجيع على التطوع بالمراكز الصحية، الحملات التوعوية على مواقع التواصل الاجتماعي و إقامة أنشطة و فعاليات لنشر الوعي و التعليم في مجال الصحة النفسية بين الأفراد، هي خطوات صغيرة نتخذها واحدة تلو الأخرى لنصل لنتيجة أفضل."

في ظل غياب الوعي الكافي لتقبّل الآخر فيما يخص المرض النفسي، فمن المتوقع أن تلقى مبادرة كهذه بعض الرفض و الاستغراب، و هو ما واجهاه في المراحل الأولى لعملهم هذا، الأمر الذي يعزيانه لخوف الأفراد من الخوض في أمر مجهول لهم، إلا أن مريم و أحمد يؤكدان أن المبادرة أصبحت تلقى الكثير من الدعم الآن، فبرأيهم أن الكثيرين لديهم قابلية للمشاركة، لكنهم بحاجةٍ لمن يفتح لهم باب الحوار.

يقول أحمد: "شاركنا في جلسة حوارٍ في إحدى الجامعات في الأيام الماضية، عند بداية الجلسة كان الحضور في حالة تردد، مع نهاية الجلسة كانت النساء الحاضرات يتشاركن تجاربهن الشخصية و آرائهن، هذا هو التغيير الإيجابي الذي بدأنا نشهده".

حملة My Mind Matters، من الحملات التوعوية التي قامت بها المؤسسة مؤخراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هدفها تشجيع المواطنين و الوافدين المقيمين في دولة الإمارات لمشاركة تجاربهم و صراعهم مع المرض النفسي، ليقوموا بدورهم على تشجيع الآخرين لقبولهم و تفهم فكرة المرض النفسي و علاجه.

تقول مريم: "على الجميع أن يعلموا أنه من الطبيعي طلب المساعدة و اللجوء إلى المختصين، فالمرض النفسي لا يقتصر على الحالات القصوى للمرض، ما نواجهه في حياتنا اليومية من قلق أو توتر أو حتى اكتئاب ناجم عن صدمة تعرضنا لها، جميع هذه الأمور متعلقة بالصحة العقلية و النفسية، جميعنا قد نمر بها و بإمكاننا التخلص منها إن تحدثنا عنها و إن تفهمنا أنه من الطبيعي اللجوء إلى طبيب لمعالجتها."

أما شعار مبادرة "مع الأمل"، البالون الأحمر الهائم فوق سماء المدينة، يحمل أكثر من مجرد رسالة فنية، فيقول أحمد: "عند زيارتنا لمشفى الأمراض النفسية، لاحظنا أن أكثر ما كان المرضى بحاجته هو الاهتمام و المحبة، لذا اخترنا لون العاطفة، اللون الأحمر، كي نوصل رسالتنا. أما الاستخدام الرمزي للبالون فهو لتشجيعهم على التحليق فوق التحديات التي تواجههم، كما يرتفع البالون في السماء. و قد لاحظنا مؤخراً أن هذا الرمز أخذ بالانتشار و أصبح دلالة لهذه الرسالة."

السنوات الأخيرة شهدت تقدماً عالمياً ملحوظاً في مجال التوعية بالسلامة النفسية و العقلية، و البلدان العربية لم تتخلف عن مواكبة التيار، لا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقوم على تطوير قوانين لرفع الوعي بالصحة النفسية و تهيئة النظام الصحي و التعليمي لمحاربة الوصمة المحيطة بالمرض.

وزارة الصحة على سبيل المثال تسعى لإدراج الاستشارة النفسية ضمن التأمين الصحي للفرد، كما أنها بدأت بتدريب الأطباء المختصين بالطب الأسري على تمييز عوارض المرض النفسي و إحالة المرضى للقسم المختص. من جانبها أعلنت شرطة دبي عن خططٍ لفتح خط ساخن لتلقي اتصالات المكتئبين و معالجتهم، و أخرى لإلغاء القانون المتعلق بحبس و تغريم المقدمين على الانتحار، فوفقاً للقانون الجديد سيعاملون كضحايا للمرض و سيتوفر لهم العلاج، عوضاً عن التعامل معهم كمجرمين.

يقول أحمد: "ما تقوم به الدولة في مجال الوعي في الصحة النفسية أمر مذهل، و بما أن المنهج التعليمي في دولة الإمارات في تطور دائم، أعتقد أن الصحة النفسية ستتخذ مكاناً لها ضمنه في المستقبل."

ضمن فعالياتها القادمة، تطرح "مع الأمل" موضوع ارتباط الصحة النفسية بالصحة الجسدية، بإقامة ورش عمل و أنشطة ترفيهية للتركيز على أثر الرياضة على السلامة النفسية. و في نطاق إيمانهم بالتغيير الإيجابي الذي تستطيع المبادرات الصغيرة إحداثه، تُبقي المؤسسة باب التطوع مفتوحاً أمام الجميع، كما تشجع الناس من مختلف أطياف المجتمع على الحوار و طلب المساعدة عند الحاجة.

تقول مريم: "المرض النفسي و العقلي ليس عيباً أو أمراً يستدعي الخجل، الحياة جميلة و بإمكانها أن تكون أجمل إن سعينا نحو علاج ما يؤذينا، فلا تتوانوا عن طلب المساعدة، وعن الحديث عمّا يؤرقكم، جميعنا نمر بالصعاب و باستطاعتنا أن ندعم بعضنا خلالها."

الصور: من المصدر.